سيد محمد طنطاوي

45

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

لقد بين - سبحانه - بعد ذلك ما يقال للمجرمين فقال : * ( وامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ) * أي : ويقال للمجرمين في هذا اليوم - على سبيل الزجر والتأنيب انفردوا - أيها المجرمون - عن المؤمنين ، واتجهوا إلى ما أعد لكم من عذاب في جهنم ، بسبب كفركم وجحودكم للحق . يقال : امتاز وتميز القوم بعضهم عن بعض ، إذا انفصل كل فريق عن غيره . قال تعالى : ويَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ . فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ . وأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ « 1 » . وقوله - تعالى - بعد ذلك : * ( أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ ) * من جملة ما يقال لهم - أيضا - على سبيل التقريع والتوبيخ . والعهد بالشيء : الوصية به ، والمراد به هنا : وصية اللَّه - تعالى - للناس على ألسنة رسله ، أن يخلصوا له العبادة والطاعة ، وأن يخالفوا : ما يوسوس لهم به الشيطان من شرك ومعصية قال الآلوسي : والمراد بالعهد هنا . ما كان منه - تعالى - على ألسنة الرسل - عليهم السلام - من الأوامر والنواهي التي من جملتها قوله - تعالى - يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ . . . وقيل : هو الميثاق المأخوذ عليهم في عالم الذر ، إذ قال - سبحانه - أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى . وقيل : هو ما نصب لهم من الحجج العقلية والسمعية الآمرة بعبادة اللَّه - تعالى - الزاجرة عن عبادة غيره . . . والمراد بعبادة الشيطان : طاعته فيما يوسوس به إليهم ، ويزينه لهم ، عبر عنها بالعبادة لزيادة التحذير والتنفير عنها « 2 » . والمعنى : لقد عهدت إليكم - يا بني آدم - عهدا مؤكدا على ألسنة رسلي ، أن لا تعبدوا الشيطان وأن لا تستمعوا لوسوسته ، وأن لا تتبعوا خطواته ، لأنه لكم عدو ظاهر العداوة ، بحيث لا تخفى عداوته على أحد من العقلاء . فجملة * ( إِنَّه لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) * تعليل لوجوب الانتهاء عن طاعة الشيطان .

--> ( 1 ) سورة الروم الآيات من 14 - 16 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 23 ص 40 .